الشيخ محمد هادي معرفة

56

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ولعلّه تابع القاضي البلقيني ، في قوله : « فالمتواتر : القراءات السبع » . الذي شطب عليه تلميذه جلال‌الدين السيوطي ، وقال : وهذا الكلام فيه نظر ، واختار مذهب ابن الجزري بصحّة التقسيم المذكور « 1 » وقد تقدّم كلامه . أمّا مذهب ابن الجزري في كتابه « منجد المقرئين » الذي أعجب الأُستاذَ الزرقاني ، فقد عدل عنه في سائر كتبه التحقيقية ، على عكس الأُستاذ ، فكان مذهبه في المنجد مسيطرا عليه جانب العاطفيّة أكثر من جانب تحقيق الواقع ، لكن الحقيقة جذبته أخيرا إلى اختيار ما هو الحقّ ، ويقتضيه التحقيق النزيه ، قال : « ولقد كنت - قبل - « 2 » أجنح إلى هذا القول ( أي القول بتواتر السبع ) ثمّ ظهر فساده وموافقة أئمّة السلف والخلف » « 3 » وقد تقدّم نقل كلامه بطوله . بينما الإمام ابن الجزري يعدل عن رأيه الأوّل ، عدولًا عن تحمّس عاطفيّ إلى لمس الواقعيّة ، فإنَّ مقلّده الأُستاذ ، يعدل عن تحقيق هداه إليه تقليده الأوّل ، إلى عصبيّة مضلّة زعمها اتساع أُفق فكريّ ، في حين أنّه تقليد أعمى محض ! هذا وقد عُرف ابن الجزري بإبدال شرط التواتر إلى شرط صحّة السند فحسب ، قال في أرجوزته : فكلُّ ما وافق وجهَ نحو * وكان للرسم احتمالًا يحوي وصحّ إسنادا هو القرآنُ * فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختلّ ركنٌ أثبِتْ * شذوذه لو أنّه في السبعة « 4 » واشتهر بهذا المذهب سلفا وخلفا ، كما عرفت عن السيوطي وغيره ، وحتّى في كتب القراءات المتأخّرة . « 5 »

--> ( 1 ) - راجع : الإتقان ، ج 1 ، ص 210 . ( 2 ) - إشارة إلى ماسجّله في المنجد . ( 3 ) - النشر ، ج 1 ، ص 13 . ( 4 ) - شرح طيّبة النشر لأحمد بن محمد بن الجزري ، ص 5 - 6 . ( 5 ) - راجع : المهذّب في القراءات العشر لمحمّد سالم محيسن ، ج 1 ، ص 27 .